بحث هذه المدونة الإلكترونية

2/29/2020

مقال لكل زمان في الديمقراطية

مقال لكل زمان
مقال قديم قبل ولادة الفيسبوك
في الديمقراطية

منذ القدم، كان الإنسان يسعى جاهداً لاكتشاف الماضي واستكشاف ما يحتاجه في حياته، ومن ثم يعمل على تحسينه أو تطويره ليخدمه بشكل أفضل. اكتشف الإنسان الفنون بذات الطريقة التي اكتشف بها النار، ومنذ ذلك الحين تطورت هذه الفنون من تصوير الأشخاص والحيوانات إلى تصوير الأشياء والطبيعة، ومن ثم تطورت مرة أخرى حيث أصبحت التعابير والرموز تحل محل الصور الطبيعية، واللون الواحد أو اللونين تحل محل الألوان الكثيرة. وبهذه الطريقة، يبدأ الإنسان في تطوير الأشياء التي بيده بدلاً من الاكتفاء بشكلها الأصلي.

وضع الإنسان القوانين كبديل للقانون الواحد، ثم قام بتعديل هذه القوانين حتى لو كانت مستمدة من الشرائع السماوية، وهكذا، في أي مكان أو زمان، يبحث الإنسان ويكتشف الحقائق ليضع دستوراً لحياته.

ولكن لم يكتف الإنسان بالأشياء الملموسة أو الموجودة في محيطه، بل تجاوز إلى مجالات العلم والمعرفة ليكتشف ويبتكر أشياء جديدة. اكتشف قوانين الفيزياء وغيرها من العلوم، وبناءً على هذه المعرفة، صنع وسائل نقل متطورة تجعل التنقل أسهل وأسرع، من صناعة المركبات لتسهيل التنقل بدلاً من الدواب، إلى اختراع الطائرات التي تمكنه من الوصول إلى أماكن بعيدة بسرعة أكبر، وحتى تصنيع المركبات الفضائية لاستكشاف الفضاء والوصول إلى القمر والكواكب الأخرى..

عندما ازداد الاهتمام بالعمل البدني والفكري، وُضعت قوانين المنافسة لتمكين الأفراد من زيادة دخلهم وتعزيز الإنتاجية. ومع ولادة هذه القوانين، نشأت مفاهيم جديدة للتعامل مع الآخرين بغض النظر عن وضعهم الاجتماعي، وسُميت هذه المفاهيم بعد ذلك بـ "الديمقراطية"، بناءً على قرار الأمم المتحدة المرقم 59 لعام 1947. تطورت هذه المفهوم ليمنح الفرد حرية التعبير عن ذاته والتحرر من القيود الاجتماعية، وقد تسارع هذا التطور بعد اغتيال الزعيم الحقوقي الأمريكي من أصول أفريقية، مارتن لوثر كينغ، وتحرير العبيد في الولايات المتحدة في نهاية ستينيات القرن الماضي.

تسعى المجتمعات الحديثة جاهدة لتطوير مفهوم الديمقراطية، حيث نشأت الأحزاب والحركات السياسية على أساس هذا المفهوم، وأصبحت الديمقراطية مطلباً جماهيرياً واسعاً. ومع ذلك، فإن الثبات في هذا المفهوم يعتمد على الأوضاع السياسية والحزبية، ويتطلب تعاوناً بين الأحزاب والمجتمع، بما في ذلك حماية حرية الفرد ودوره في المجتمع، وتعزيز النظام الديمقراطي بمفهوم إيجابي يحافظ على التوازن بين حقوق الفرد والمصلحة العامة..

أن تطبيق مبادئ الديمقراطية يختلف بين الأحزاب السياسية والحركات، حيث يمكن أن تعتبر الديمقراطية جزءاً من الخط السياسي لبعضها، ولكن يمكن أيضاً أن تكون مجرد كلمات فارغة بدون تطبيق عملي في المجتمع. فعلى سبيل المثال، قد يقيّد بعض الأحزاب حرية التعبير أو الصحافة لتحقيق أهدافها الشخصية، مما يؤدي إلى تشويش المفهوم الديمقراطي وتقويضه. ومع ولادة هذه المبادئ الديمقراطية، ظهرت أفكار جديدة في التعامل مع الآخرين وتنظيم الحياة السياسية بطريقة تعتمد على المساواة والحرية بين الأفراد، بغض النظر عن مكانتهم في المجتمع أو دورهم في العمل.

تسعى بعض الأحزاب والحركات السياسية إلى الانفراد بالسلطة والسيطرة عليها، مما يجعلها تفقد جوانب هامة من الديمقراطية وتنجذب إلى الانحراف والتسلط. يمكن أن تنتج هذه الانفرادية كيانات سلطوية تقوم بقمع حقوق الأفراد وتقويض مفاهيم الديمقراطية، وهو ما يؤدي إلى انهيار الأحزاب والحركات واندثارها مع الوقت.

إن ابتعاد الأحزاب والحركات عن مبادئ الديمقراطية يساهم في إلحاق الضرر بالمجتمع بأسره وأفراده، ويزيد من فرص نشوء الدكتاتورية والتمييز. فعندما يسعى الحزب الحاكم إلى البقاء في السلطة بأي وسيلة، فإنه يهدد الحريات الأساسية ويقوض استقرار المجتمع.

يمكن أن يتسبب سوء التطبيق لمفهوم الديمقراطية في الانحدار والتدهور الاجتماعي، إذ يخلق بيئة غير مستقرة ومضطربة للمجتمع. وبدلاً من أن تكون الديمقراطية وسيلة لتعزيز حرية الفرد ومساواته، قد تتحول إلى أداة لتحقيق مصالح الأقليات الحاكمة.

إذاً، فإن الديمقراطية ليست مجرد نظام سياسي، بل هي مبدأ اجتماعي يعتمد على حرية الفرد وتطوير المجتمع بشكل شامل. إلا أنها تتطلب إجراءات قوية لمنع سوء التطبيق وحماية الحقوق الأساسية للأفراد والمجتمع بأسره.           

14/9/1992


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق